مقالات

سياسة بابا … محمــد الوحيـــدي

سياسة بابا … محمــد الوحيـــدي

 

 ..


يعامل الحكام العرب شعوبهم ، بأبوية ، بكل ما يمكن أن يندرج تحت هذا العنوان من صفات و سلوكيات و مشاعر ..

دون الحاجة إلى الكثير من الفلسفة ، و التعقيد ، أو التظاهر و تقمص شخصية الثائر الرافض للنظم و القيادات و الحكومات ، المُطالب بتحقيق شعارات مبهرجة و براقة ، و حقوق إنسان و ديمقراطية وما إلى ذلك من أصناف اعتدنا على وجودها ضمن قائمة المشـهيات لأي فصيل جديد أو إئتلاف أو حركة شبابية أو شعبية في السنوات الأخيرة .. دعونا نتحدث بشفافية و صدق ..

الشعور الأبوي ، الوصاية على الأطفال ، نعم الأطفال مهما كبروا و تعلموا و زادت خبرتهم ، ربما بأضعاف أضعاف ما حصَّــله الآباء على إمتداد أعمارهم ، أطال الله في أعمار قادتنا و آبائنا ..إلا أن الأبناء ، في نظرهم يظلون أطفالاً ، محدودي القدرات ، و لا يجب أن يطلعوا على تفاصيل الحكم ، و ما يعتبرونه أسراراً عُليـــا ..

هكذا كان أباؤنا ، و أمهاتنا ، يديرون شئون الحكم ، و المنزل ، و هكذا كان العُــمَد و المشايخ ، و المخاتير ، يديرون شئون المجتمعات ، و هكذا تعلم رؤساء البلديات فيما بعد ، و المحافظون ، و الوزراء  و الرؤساء ، الطبع غلب التطبع ، بل غلب كل شهادات الدكتوراه ، و الإختلاط و الإنفتاح على الغرب و الشرق و الجنوب .. يظل الشاب منا في مقتبل العمر ، يتحدث بثورية ، و إنطلاق و إنفتاح و يطالب بأن يتزوج من إمرأة ذكية و مرحة و منطلقة ، و يكمكم أخته و يحجر عليها و يدمر شخصيتها بحجة الوصاية ، و الخوف من غدر المجتمع و الزمن .. ويظل الموظف في أي شركة يتحدث عن عمل الفريق ، و الإجتهــاد و الضمير و الخدمة و المواطنة الوظيفية ، حتى يصبح في منصب إدارة و تحكم و يتعلق برأس المال ، ويظل القائد يتحدث عن الثورة و المبادئ ، و النقاء و محاربة الفساد و الديمقراطية و يصر أن الشعب هو المعلم وهو القائد و الشفافية و المكاشفة هي السبيل الوحيد لحل الإشكالات ..إلى أن يصل إلى المكتب و تعلق صوره على الجدران ، فيعلق معها كل الشعارات ، و تظهر شخصية الأب مرة ثانية .. و شخصية ( بابا ) ليست عيباً ، و لا هي سُــبه .. و العياذ بالله ، فأنا أب ، و لكن الأب الحنون ، الحامي ، الموجه شئ ، و الأب القائد شئ آخر .. منهج خاطئ ، معيب  ومرفوض .. لأسباب عديدة ، عل أهمها أن الشعب ليس عائلة ، و كذاب أي عالم إجتماع و الكلام على مسئوليتي ، كذاب إن هو قال أن المجتمع عائلة واحدة ، و أن أبناء الشعب قُـصّر ، يحتاجون إلى أب قائد .. يعطيهم من الحقائق بعضها و يحجب عنهم الكثير تحت أي شعار أو أي سبب كان ، كالأمن القومي ، و السلم الإجتماعي ، و سرية التخطيط .. و يفاجئهم بقرارات ، و خطوات لا يفهمونها ، ويطلب منهم أن يتبعوه و ينافقوه و يسيروا وراءه كالقطيع .. خذ مثالاً ما يحدث في مجتمعنا الفلسطيني في الآونة الأخيرة .. ولا أبالغ إن قلت أن ثلاثة أرباع الشعب يسأل سؤالاً موحداً هو ( ماا يحصل و إلى أين ؟) ليس فقط في قضية الرواتب ، التي أصبح الحديث عنها أو حولها  محرم ، و مخيف ، والتي أصلاً ، وافق أغلبية الشعب عليها عندما عرف ، فقط ، عنوانها البسيط ، عقاب حماس ، و حرمانها من الدورة المالية ، و إستغلال الشعب و الموظفين بشكل خاص ، هذا جميل ، ولكن ، إلى أي مدى و أي حد ؟ و كيف ولماذا ؟ كل هذا كان مطلوب من أي ، أقول أي مسئول ، أن يخرج على الشعب يشرح بالتفصيل ، و يجيب على الأسئلة ، لأنه مسئول  أمامهم .. تريد مني أن أشارك في النضال ضد الرجعية و أن إنتصر للمشروع الوطني ، جيد ، مع الأخذ في الإعتبــار أن الغاية لا تبرر الوسيلة ، فقد علمنا ( بابا ) أن هذا مبدأ غير أخلاقي ، ولكن ما علينا.. تريد مني أن أتعامل معه، إلى أي مدى ؟ و لماذا ؟  تقول لي أن هناك إشكالية فنية ، لم يتم حلها على مدى سنة ، هل أنت قاصر ؟ لا تعرف كيف تحل المشكل الفني ؟ إذن إذهب إلى بيتك .. هل هي مشكلة فنية أم هي وسيلة كفاحية لنصرة المشروع الوطني ، حدد ، أبن ، أفصح  ؟

هل المشلكة في أن أمريكا أوقفت ، إختزلت ، الدعم المالي بسبب صمودنا و قرارنا نحن الشعب داعمين للقيادة في عدم التفريط بالثوابت ؟ إذن لماذا لا نتحمل التبعات ( كلنا ) و نتقاسم الخسائر ؟؟

هل المعضلة أعمق و أكبر من أن تحيط بها عقولنا ، و قدرتنا على التحليل وفق شح المعلومات بين أيدينا ؟ جيد ، نسلم بهذا ، هل هناك أمر جلل ، و مخطط خطير ، جيد ، إذن فليخرج أي مسئول ، يقول لنا ، لا وقت للتحيل ، أنتم جنود مجندة ، و هذه معركة ، نفذ ، ثم إسأل .. أعتقد أن شعبنا حينها سينفذ .. سيجوع حباً و كرامة ، ولن يعترض ، ولن يشعر أن نصفه ممتهن ، و نصفه الآخر مفضل ..

سياسة بابا ، لا يمكن أن تنجح ، إذا إفتقر الإنسان إلى المعلومة ، و غابت عن عينية بعض أجزاء الصورة، يعمل خياله ليصل إلى إكمالها، حنى ولو كانت وهماً .. ولكنها أفضل من لا شئ ، فحذاري من أن تحولوا شعبنا إلى شعب واهم ، متعلق بلا شئ ..

المصدر : مستمرون