أخـبار

مواطنون في غزة يبيعون أثاث منازلهم لسد رمق أبنائهم

مواطنون في غزة يبيعون أثاث منازلهم لسد رمق أبنائهم

 لم يتوان الخمسيني “أبو ماجد عفش” من الإقدام على خطوة بيع أثاث منزله للحظة، كون الحاجة في ظل الظروف المعيشية الصعبة هي من دفعته لذلك، أملاً في الحصول على النقود التي يسد بها احتياجاته المنزلية، بدلاً من طرق الاستجداء والتوسل المذلة.

وبعدما أغلقت السبل أمامه كافة، في الحصول على النقود وتوفير قوت أبنائه، كانت خطوة أبو ماجد ليست الأولى، بعدما أقدم مراراً على بيع مقتنيات منزله بما فيها العفش والأثاث، بصورة متفرقة في كل مرة كان بحاجة فيها لأموال يسد بها رمقهم، بسبب وضعه المادي الصعب، وكأنه يعيش في صحراء قاحلة.

العاقبة على المسؤولين

ويقول لـ “النجاح الإخباري”: “لم أتخيل بأن خطورة الوضع المعيشي المتدهور، سيدفعني يوماً ما لعرض مقتنيات منزلي للبيع، فتوجهت مراراً لبيع الأثاث شيئاً فشيئاً، فالظروف القاسية تجبرك على فعل المزيد، حينما ترى أحد ابناءك يتقطع ألماً من شدة المرض ولم يتوفر بيدك سبل العلاج”.

ويشير أبو عفش، إلى أنه كان يعتقد بأنه الوحيد الذي سيكون في هذا الموقف، عندما توجه إلى أحد أسواق القطاع مصطحباً معه أغراض بيته التي ينوي بيعها، وإذا يتفاجأ بتكرار هذا المشهد عند أغلبيتهم، في حين يصطفون بجانب بعضهم لعرض ما في حيلتهم، لتكون ظاهرة اجتماعية، مؤكداً على أن الحال الذي وصل إليه سكان قطاع غزة لم يشهده التاريخ أبداً، وان استمرت ظروف الحصار سيقود المواطنين إلى ما هو أدنى، والعاقبة على المسؤولين.

“أبو ماجد عفش” ليس الحالة الوحيدة، الذي أقدم على بيع مفروشاته المنزلية؛ لتوفير قوت يومه، بل هو كحال المئات من الناس الذين أجبرتهم الظروف على المضي نحو هذه الوسيلة؛ تجنباً للتسول غير المحمود، في ظل الظروف القاهرة التي وصل إليها أبناء غزة، بعد تدهور الأوضاع السياسية وفشل المصالحة مؤخراً، بسبب رفض تمكين حكومة الوفاق الوطني من العمل في القطاع من قبل حركة حماس وفقاً لتفاهمات القاهرة في أكتوبر من العام الماضي.

في حين استغل “إياد الكفارنة” من سكان بيت حانون شمال القطاع، فعالية مواقع التواصل الاجتماعي بما فيها من ميزة السوق الالكتروني، لعرض أغراضه المنزلية للبيع، كونها تجلب الزبائن دون الاضطرار إلى النزول إلى الأسواق، فيقول: “عبر صفحات البيع الالكتروني، الموجودة على الانترنت بما فيها (الفيس بوك)، أقدمت على عرض جوالي بداية إلى ما وصلت اليه الأن بعرض ثلاجتي المنزلية للبيع، كون ظروفي قاسية للغاية في ظل عدم توفر وسيلة عمل أعيش من خلالها”.

وماذا عن فكرة بيع المقتنيات المنزلية؟، أجاب: “الحاجة هي من تدفعك دوماً للبحث عن سبل تخرجك من أزمة التضييق التي تعيشها، تزامناً مع تردي الأوضاع الصعبة”، مشيراً إلى ان الرحمة والإنسانية غيبت عند البعض، ولا أحد يتسنى له المساعدة كون الظروف صعبة على الجميع دون استثناء أحد.

ويشير الكفارنة إلى انه لم يحتمل مشاهدة أبنائه وهم يتضورون جوعاً من شدة الفقر، فألمه يزيد مجرد رؤيته لهذا المشهد الذي يتكرر أمام ناظريه يومياً، منوهاً إلى أنه لو توفرت لديه فرصة عمل أياً كانت سيكون حاله أفضل، رغم اقدامه مراراً على البحث عن عمل يجدي نفعاً، فبيع البراد صيفاً لا يثمن ولا يغني من جوع على حد وصفه.

الوضع مهدد بالانفجار

بينما المواطن (أحمد، س) أحد موظفي حماس في غزة، الذي لم يتقاض راتبه منذ أكثر من عامين بسبب الحجز على راتبه من المحكمة من الديون، وبعدما أغلقت أمامه الأبواب وزادت وتيرة الأزمة عنده، لجأ مراراً إلى بيع مقتنيات منزلة بدءاً بمجوهرات زوجته وصولاً إلى عرض جواله الشخصي للبيع؛ ليستطيع أن يحصل إيجار بيته الذي تراكم عليه منذ فترة طويله، فهو مهدد بالطرد في أي لحظة.

وأضاف: “حياتنا باتت بائسة للغاية، وظروف غزة التي يحكمها الحصار، بفعل مسؤولينا الذين كانوا سبباً لسقوطنا جميعاً بالهاوية، وعدم النظر إلينا بعين الرحمة والإنسانية، فتخليهم عن أدنى مسؤولياتهم، سيلحق أضراراً جسيمة على بنية الجسم الاجتماعي، وسيؤدي إلى فقدان الأمن والأمان مستقبلاً، ان استمر الحال على ما هو عليه”.

وناشد مسؤولي غزة، بأن يأخذوا حال مواطنيها بعين الرحمة والإنسانية والدفاع عنهم، مؤكداً على خطورة الوضع المادي على المواطنين ستكون جسيمة، وربما ستجعلهم ينفجرون بأي لحظة، للخروج من الأزمة، فصدورهم ضاقت وأصوات قلوبهم بلغت الحناجر.

ظاهرة اجتماعية تؤثر على المجتمع ككل

وفي الحديث مع دكتور علم النفس والاجتماع درداح الشاعر، حول ظاهرة بيع المقتنيات المنزلية يقول لـ “موقع النجاح”: “باتت ظاهرة مرتبطة بالواقع الاقتصادي كون الأنظمة مرتبطة ببعضها البعض وتؤثر وتتأثر بها، خاصة في ظل واقع اقتصادي مرير، فأثرت بشكل عام على العلاقات الاجتماعية، مما دفع البعض إلى الاستغناء عن بعض العلاقات الاجتماعية والمقتنيات التي تدخل في باب الترفيه، ومنها التي كانت تشكل لهم أساس حياتهم”.

وتوقع د. الشاعر، في حال استمر واقع اقتصاد غزة الصعب، فمن الممكن أن تتضاءل العلاقات الاجتماعية الناشئة بين الافراد والجماعات بشكل عام، لأن الحصار الاقتصادي له انعكاسات على النسيج الاجتماعي وعلى طبيعة العلاقات الاجتماعي وتكيف المجتمع بشكل عام.

وأشار إلى خطورة الوضع الاجتماعي في الفترات الأخيرة الذي بات ينحدر للأسفل بسبب الحصار، بانتشار ظواهر لم تكن في السابق، كظاهرة التسول الزائدة بين الشباب والأطفال والكبار، إضافة إلى لجوء المواطنين والباعة لاستجداء الآخرين كوسيلة لجلب الأموال بشتى الطرق ومنها ظاهرة بيع المقتنيات المنزلية.

والسؤال الذي يردده المواطنون باستمرار.. إلى متى سيبقى حالهم في قطاع غزة بهذا الوضع المأساوي بينما المسؤولين يعيشون حياة رغيدة ؟

اترك رد